المقريزي

34

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

عنهما ، قال : إنّ فرعون لما قال للملأ من قومه : إن هذا لساحر عليم ، قالوا له : ابعث إلى السحرة ، فقال فرعون لموسى : يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ، ولا أنت ، فتجتمع أنت وهارون وتجتمع السحرة ، فقال موسى : موعدكم يوم الزينة ، قال : ووافق ذلك يوم السبت في أوّل يوم من السنة ، وهو يوم النيروز ، وفي رواية : أن السحرة قالوا لفرعون : أيها الملك واعد الرجل ، فقال : قد واعدته يوم الزينة ، وهو عيدكم الأكبر ، ووافق ذلك يوم السبت ، فخرج الناس لذلك اليوم ، قال : والنوروز أوّل سنة الفرس ، وهو الرابع عشر من آذار ، وفي شهر برمهات ، ويقال : أوّل من أحدثه جمشيد « 1 » من ملوك الفرس ، وإنه ملك الأقاليم السبعة ، فلما كمل ملكه ، ولم يبق له عدوّ اتخذ ذلك اليوم عيدا ، وسماه نوروزا في اليوم الجديد ، وقيل : إن سليمان بن داود عليهما السلام ، أوّل من وضعه في اليوم الذي رجع إليه فيه خاتمه ، وقيل : هو اليوم الذي شفي فيه أيوب عليه السلام ، وقال اللّه سبحانه وتعالى له : ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ [ ص / 42 ] فجعل ذلك اليوم عيدا ، وسنّوا فيه رش الماء ، ويقال : كان بالشام سبط من بني إسرائيل أصابهم الطاعون ، فخرجوا إلى العراق ، فبلغ ملك العجم خبرهم ، فأمر أن تبنى عليهم حظيرة يجعلون فيها ، فلما صاروا فيها ماتوا ، وكانوا أربعة آلاف رجل ، ثم إن اللّه تعالى أوحى إلى نبيّ ذلك الزمان أرأيت بلاد كذا وكذا ، فحاربهم بسبط بني فلان ، فقال : يا رب كيف أحارب بهم ، وقد ماتوا ، فأوحى اللّه إليه : إني أحييهم لك ، فأمطرهم اللّه ليلة من الليالي في الحظيرة ، فأصبحوا أحياء فهم الذين قال اللّه فيهم : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ [ البقرة / 243 ] فرفع أمرهم إلى ملك فارس ، فقال : تبرّكوا بهذا اليوم ، وليصب بعضكم على بعض الماء ، فكان ذلك اليوم يوم النوروز ، فصارت سنّة إلى اليوم ، وسئل الخليفة المأمون عن رش الماء في النوروز ، فقال قول اللّه تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ [ البقرة / 243 ] هؤلاء قوم أجدبوا تقول مات فلان هزالا فغيثوا في هذا اليوم برشة من مطر فعاشوا ، فأخصب بلدهم ، فلما أحياهم اللّه بالغيث ، والغيث يسمى الحيا جعلوا صب الماء في مثل هذا اليوم سنّة يتبرّكون بها إلى يومنا هذا . وقد روي : أن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف قوم من بني إسرائيل فرّوا من الطاعون ، وقيل : أمروا بالجهاد ، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد ، فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك ، فأماتهم اللّه ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء ، ثم أحياهم على يد حزقيل أحد أنبياء بني إسرائيل في خبر طويل قد ذكره أهل التفسير .

--> ( 1 ) جمشيد : من ملوك الفرس تسلم الحكم بعد أخيه طمهورث . الأعشى ج 4 / 409 .